الزي الصحراوي

 

كان اللباس، إلى جانب مواد أخرى، من أهم مواد التبادل التجاري بين المغرب وغرب أفريقيا منذ قرون. وشكلت (البيصة) أي القماش و(لبنيكة) وهي وحدة من نسيج غرب أفريقيا، أساسا للتبادل التجاري الذي يشمل الذهب والملح والأصداف وصغار المواشي.

أنواع كثير من هذه الأقمشة تصنع منها النساء «الملاحيف» وتشكل معرضا فنيا متنقلا، في المدن الصحراوية. والملاحيف هي زي تقليدي نسائي، يجمع بين جمالية الشكل وتناسق الألوان، كما تعتبر الزي المفضل لدى المرأة الصحراوية، حيث تشكل جزءًا من هويتها وانتمائها إلى بيئة تحمل في طياتها قيم المجتمع البدوي التقليدي المحافظ بحشمته وأصالته.

أهم ما يميز هذا اللباس النسوي وحدة التفصيل، إذ إنه لا يحتاج إلى خياطة، وإنما إلى عقدتين فقط من الأعلى لتأمين دائرتين يطلق عليهما «خلالين» يمكنان المرأة من إخراج رأسها ويدها وإحاطته بجزء من الثوب ولف جسمها بالباقي. تميزت الملاحيف منذ القدم بالتنوع، سواء من حيث طبيعة الثوب (الخنط)، أو من حيث التسميات المرتبطة بها. ومن بين أهمها وأقدمها، ملاحيف النيلة التي تصبغ بمادة النيلة، وهي مادة زرقاء داكنة أقرب إلى السواد، تستعمل لغايات كثيرة منها مقاومة أشعة الشمس، وحماية الجلد من بعض الإصابات الناتجة عن ذلك، فضلا عن كون استعمال هذه المادة والغسيل بعدها، يضفي على البشرة صفاء ونعومة. وتجدر الإشارة إلى أن الملحفة مرت في صباغتها بمراحل كثيرة، على مستوى التقنية.

أما على مستوى الألوان، فيمكن تقسيمها إلى نوعين: ألوان خاصة بفئة الشابات، غالبا ما تكون زاهية وفاتحة بكل درجاتها الضوئية، وألوان ترتبط بفئة المسنات تميل إلى الألوان الداكنة والقاتمة. ويعود السبب في ذلك إلى الدلالة العميقة للون، حيث يعتقد أن اللون يمثل رمزا يؤكد على انتماء طبقي معين، وهوية معينة، لدرجة يكون فيها من غير اللائق على المرأة المسنة أن ترتدي ملحفة مزركشة الألوان. ويرتبط الميل إلى هذه الألوان القاتمة ليس بالسن فحسب بل أيضا بالانتماء الاجتماعي، بالإضافة إلى ثقافة جيل بأكمله. فالجيل القديم يفضل البساطة في العيش، الأمر الذي تعكسه الأقمشة ذات الألوان الداكنة. لكن السواد يمكن أن يرتبط أيضا بطبقة اجتماعية معينة، فمثلا نجد ملاحيف الشرك، والإنصاف النبيلة، ولكحال، المصبوغة بسواد شديد تكون من نصيب سيدات القبيلة نظرا لندرتها وارتفاع ثمنها. وكانت المرأة الصحراوية، تفرض على بناتها ارتداء الملحفة، نظرا لزواجهن في سن مبكرة، وكانت الفتيات يتأقلمن معها بالتدريج لدرجة أنهن يعتبرن عدم ارتدائها عيبا وعارا. تقول الباتول وهي ربة بيت: «هل يمكن تصور زي تقليدي واحد يستعمل كلباس يومي داخل البيت وخارجه وفي المناسبات العادية والخاصة؟ هذا بالضبط هو دور الزي الذي ترتديه المرأة الصحراوية وتسميه (الملحفة). ليس هذا فقط، فهو أيضا يستخدم كواق للوجه من أشعة الشمس، وللاعتناء ببشرة الجسم كله» بحسبها. وتضيف أن «جميع النساء الصحراويات لا يستغنين عنه لأنهن يعتبرنه أكثر من مجرد رداء، بل يعتبرنه رمزا لهويتهن وانتمائهن إلى منطقتهن، وأكبر دليل على ذلك هو أن معظم الفتيات اللواتي يسافرن من المدن الصحراوية نحو الرباط أو الدار البيضاء أو مراكش للدراسة أو العمل، يتشبثن به، وكأنه بطاقة هوية. وهذا ما أكدته أيضا الباتول رحمة، وهي طالبة جامعية، حيث إنها طوال سنوات دراستها في مراكش لم تتخل يوما واحدا عن ارتداء الملحفة «فهذا الزي يعني لي الاعتزاز بالتقاليد ويرمز إلى أنوثة المرأة الصحراوية». وترى فاطيماتو أن المرأة الصحراوية ترتدي الملحفة بمجرد البلوغ، حيث يصبح لزاما عليها ستر جسمها كاملا.

جميع التجار في مدينة الداخلة، ثاني كبرى مدن الصحراء، يؤكدون أن الملاحف التي يبيعونها مستوردة من موريتانيا والإمارات العربية، ونلاحظ هنا التأثر الكبير للمرأة الصحراوية بنساء الخليج، وهذا يعود إلى وجود قواسم مشتركة، مثل البيئة الصحراوية، والطابع المحافظ للعائلات، والزي الموحد الذي ترتديه النساء، سواء كان عباءة أو ملحفة.

يقول أحد التجار إن هناك عدة أنواع من الملاحف، التي تحمل أسماء مختلفة من بينها «الشكة» و«كنيبة» و«كاز» و«كونتر» و«شيفون» و«سامبل»، وكلها أسماء تدل على طبيعة الثوب المصنوعة به كالقطن الخالص، أو شكل الرسومات المطبوعة عليها، أو ما إذا كانت بألوان محايدة مثل الأبيض والأسود والبني. وهذه غالبا ما تلبس في المناسبات فقط مثل حفلات الزفاف وغيرها، وتسمى «سواري» تكسوها لمعة خفيفة، وثمنها مرتفع مقارنة بالأنواع العادية الأخرى. وفي الغالب تتميز الملحفة بالألوان القزحية، لكن الموضة فرضت صنع ملاحف بألوان هادئة منسجمة ومتناسقة. ورغم أن الملحفة مصنوعة من قماش خفيف، عموما، فإنها تلبس صيفا وشتاء، مع العلم أن هناك أقمشة دافئة خاصة بأيام البرد، وأخرى قطنية باردة لأيام الحر.

وبما أن الشمس لا تغيب عن الصحراء، فمن الطبيعي أن تبحث النساء عن وسيلة للحماية من أشعة الشمس المضرة لبشرة الوجه والجسم، ولأجل ذلك تتحول الملحفة نفسها إلى «مضاد طبيعي للشمس»، على حد تعبير رحمة، التي أوضحت لنا أن بعض الأنواع من الملاحف تصبغ بمادة زرقاء تسمى «النيلة»، فتضعها المرأة كنقاب على الوجه لحجب أشعة الشمس.

ولنضارة البشرة، ترتدي النساء هذه الملحفة ليومين أو ثلاثة حتى يبقى أثر النيلة على الجلد، فتغتسل بعدها وتحصل على بشرة ناعمة خالية من الشوائب. تقول خدوجة، صاحبة محل بيع الأقمشة، إن الملحفة زي خاص بنساء الصحراء، ولا نجده في المناطق المغربية الأخرى، ويتميز ببساطته الشديدة، ويرمز إلى الحشمة والوقار، ولا يخضع لتصميم خاص أو خياطة، إلا أن ذلك لا ينتقص من قيمته وجماليته، وما يضفيه على المرأة من أنوثة. وتضيف أن «الملحفة لم تعرف أي تغيير أو تطوير يذكر، كما حصل مع الجلابية التقليدية المغربية أو العباية الخليجية، التي اجتهد المصممون في تطويرها وتجديدها لمواكبة الموضة العصرية». وترى أيضا أنه بالإمكان استفادة الملحفة من جمالية الزي التقليدي المغربي من خلال إدخال بعض التعديلات عليه، مثل تزيينه بـ« السفيفة» من الجوانب، أو أن يطرز بتطريزات خفيفة، مع المحافظة على أصالته وخصوصيته التي تتلاءم مع البيئة الصحراوية. وتعتبر «الملحفة» إحدى الهدايا الأساسية التي يهديها العريس لعروسه، وتفرض التقاليد الصحراوية أن لا يقل عددها عن عشرة من النوع الممتاز. وهذا ينطبق أيضا على الهدايا الأخرى مثل الأحذية والحقائب وغيرها، دون أن ننسى الجمل الذي ما زال يتصدر قائمة هدايا العروس.

للرجل الصحراوي أيضا لباسه، وهو ما يعرف بـ« الدراعة».

والدراعة هي قطعة من الثوب الناعم تتألف من عشرة أمتار، وقد تزيد قليلا أو تنقص حسب طول الشخص أو قصره، وتصنع من أكثر الأثواب شيوعا، وهو «البزان» وهناك نوع آخر يسمى «بلمان» قليل التداول، وهناك أيضا «الشكة» وهو ثوب خفيف بدون زخارف. وشكل الدراعة فضفاض غير مخاط الجانبين للتمكين من شد الطرف الأمامي إلى الخلف من كلا الجانبين، وتبقى مفتوحة عند اليدين متسعة بقدر طول الدراعة، مع توفرها على جيب دائري تقريبا، به زركشة مختلفة مستمدة أساسا من الزخرفة النباتية التي باتت تميز الفن الإسلامي.

أما ألوان الدراعة فيغلب عليها الأبيض والأزرق، فضلا عن اللون الأسود، رغم ندرته. وهذا الأخير يصنع من ثوب «بلمان» ويسمى دراعة «بلمان» وهي نوع نادر، في المناطق الصحراوية الجنوبية. وقد لا يمتلكها سوى أشخاص ميسوري الحال. إضافة إلى ذلك هناك دراعة الجهتين، أي بلونين مختلفين لكل جهة، وتلبس من الجهتين وتسمى كذلك دراعة «باخة» نسبة إلى نوع الثوب الذي تخاط منه. وهناك أيضا دراعة «الشكة» وهي رقيقة تلبس في الجو الحار، ويمكن أن تمارس بها الأعمال اليومية بشكل عادي.

وجدير بالذكر أن أنواع الدراريع التي ذكرت سالفا، مرتبطة بالوظيفة والمركز الاجتماعي، فمثلا دراعة بلمان ودراعة جهتين، تخاط باليد ولا يرتديها سوى أسياد القبيلة، أو في المناسبات الكبيرة والأفراح كالأعراس. ويعتقد أن كون الدراعة مفتوحة من جهتين يعود لاعتبارات صحية، أو بفكرة مقاومة حرارة الشمس. بل هناك من يرى أن الأمر مرتبط بالحرية، أي إن الإنسان الصحراوي الذي يرتدي الدراعة، يرفض قيود اللباس العصري، فهي تسمح له بحرية الحركة، وهو أمر يفرضه الفضاء الذي يعيش فيه الإنسان البدوي عموما. فهو حين يخرج صباحا من خيمته، يلاحظ فضاء فسيحا يشعر بامتلاكه على عكس إنسان المدينة. ويلبس تحت الدراعة سروال فضفاض، من سبعة أمتار تقريبا، يتدلى حزامه إلى أن يلامس الأرض ويسمى هذا الحزام «لكشاط» يصنع من الجلد الناعم، به حلقة حديدية تسمى «الحلكة». ويوضع على الرأس اللثام الأسود الذي به يتميز الصحراويون عن غيرهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

جميع الحقوق محفوظة - جريدة سكاي نيوز برس