طقوس الزواج في فترة الترحال

 

تعتبر العادات والتقاليد بالصحراء في عمقها الثقافي عبارة عن مجموعة من الخصوصيات الانتربولوجية والسوسيولوجية التي يتفرد بها المجتمع الصحراوي مثله في ذلك مثل باقي المجتمعات البشرية الاخري ، ومن هذه العادات والتقاليد ما يرتبط بدور الحياة من ولادة وعقيقه وختان وخطبة وزواج وقبيلة ولباس ولغة ورعي وموت ودفن … الخ ومجال القضاء وحل النزاعات القبلية والعشائرية ”أيت أربعين” كمركز لحل هذه النزعات.فهذه العادات والتقاليد ترسم – على تباين مجالاتها ومستوياتها – المعالم العامة التي ينبني عليها التاريخ الثقافي والاجتماعي للصحراويين وترسيخ الأنماط السلوكية الراقية التي خلفها الأجداد والأسلاف وسنركز في موضوعنا على الزواج.

ا- الخطبة:

أصعب ما يكون حينما ينوي الفتي الزواج بفتاة لا يصارح والده مباشرة لأنه يستحي منه، ويصارح بذلك أمه وان كانت غير موجودة فانه يبحث عن شخص أخر يكون قريبا من والده. وبعد قبول الأهل، تذهب جماعة من أهل الخطيب الى أهل الفتاة التي يريد خطبتها وهكذا يتقدم أهل الرجل طالبين يد الفتاة، ويأتي أهل الخطيب محملين بالهدايا وهو ما يسمى” بالواجب . وفي مسالة اختيار الخطيبة أو زوجة المستقبل يتم حسب معايير وأسس تعتمد:

مصالح الجماعة بالدرجة الأولى و تكون المرشحات بنت العم حفاظا على مصالح و ممتلكات العائلة و يبرز هذا الارتباط القرابي في قولهم:” ولد عمي يصلح همي” ولابد من الإشارة فقد كانت سلطة الأب مطلقة في هذا المجال إذ انه هو الذي يقرر وقت زواج ابنه ووفق وجهة نظره في الموضوع وهو نفسه من يختار له شريكة حياته وغالبا ما يتم الاختيار على أساس نسب الفتاة إذ أن النسب هو المعيار الرئيسي في الزواج الصحراوي، ويتم الزواج بدون معرفة الزوجين لبعضهما. والمعرفة تكون فقط بين أهلهما حتى الشاب لا يعلم شيئا عن زوجته. المهم ألا تكون ضعيفة النسب. وأثناء فترة الخطوبة يمنع على الخطيبين الالتقاء والتعرف على بعضهما،أما بالنسبة للفتاة فإنها تخضع لما يسمى بعملية “البلوح” للسمنة وبالتالي تصبح مؤهلة جسمانيا للحياة الزوجية.

ب ـ المهر:

أثناء فترة الخطوبة تبدأ الأسرتان الاستعدادات المادية و المعنوية الكثيرة و الترتيبات ليوم الزفاف. ويأتي أهل الفتى بمهر (صداق) العروس المكون حسب العادات من الإبل و الأثواب والحلي و أكياس السكر و صناديق الشاي و البخور و العطور حسب( القدرة و الاستطاعة).

ج ـ الدفوع:

خلال الموعد المحدد للزواج يذهب أهل العريس في موكب جماعي إلي ” فريك” ( يقصد به مجموعة من الخيام مكونة من 10 خيام أو أكثر) الذي يوجد فيه أهل العريس، وصلوا وأول عمل يقوم به أهل العروص استقبال الوافدين هو رفع ‘البند’ ويتكون هذا البند من نصف ‘بيصة’ بيضاء ونصف ‘بيصة’ سوداء والبيصة تقال لثوب يصنع منه ‘ملحفتين’ وهذا الموكب الجماعي حماسي تسوده الزغاريد والأهازيج الشعبية المتعالية يسمى السلف أو’الدفوع’ و أثناء لحظة وصولهم يرفع أهل العروس ثوبا أبيضا تعبيرا عن الفرح والسعادة، وهم بذلك يدعون أهل العريس للعراك رغبة في الضحك ينتج عنه ‘ تكاليح البنود’ الذي يعني تجاذب شريط الثوب الأبيض ويكون الصراع مريرا بين الطرفين أيهما يحصل عليه (أي طرف أهل العريس وطرف أهل العروس) والذي يكسب في الأخير هو الأقوى وهذه دلالة على السلام والرغبة في تلاحم الأسرتين.

د- عقد قــــران:

أثناء قدوم أهل العريس وبعد التداول يجتمع الناس على هؤلاء القادمين للترحيب بهم فيتقدم الأكل الممثل في” النحاير” فيجتمع “الشيب” ( أي كبار السن) في خيمة العقد لعقد القران ولم يكن العقد مكتوبا وإنما يكتفي الصحراويون بقراءة الفاتحة بين نائب العريس ووصي العروس والأعمام وحضور الطالب (الفقيه) وبشهادة شرعية الزواج يتم عقد القران وفق مذهب الإمام مالك وحكمه على أنهم اتفقوا يقول تعالى :’ واتوا النساء صدقاتهن نحلة ‘، وقوله تعالي: ( فانكحوهن بإذن أهلهن و أتوهن أجورهن). وتعقد الفتاة الصحراوية على القران من الإبل التي تم الإتفاق عليها في المهر بالتراضي وبعده مباشرة يتم الإعلان عن الزواج .

هــ – حفل الزفــــاف:

الزواج في الوسط الصحراوي يتميز بصيغتين أساسيتين تتمركز في الزواج المبكر وزواج الأقارب. فالزواج المبكر: يحدد عادة بين عائلتي الزوجين في وقت مبكر جدا بين 9 و 13 سنة بالنسبة للفتاة و 14 و 16 سنة بالنسبة للفتى ، والزواج المبكر في الثقافة الصحراوية يحتل مكانة مرموقة يعني أهمية لايستهان بها وذلك نتيجة لأسباب نذكر منها

· دافع ديــني: على اعتبار أن الزواج المبكر عصمة للشاب والشابة من الوقوع في الزنا والحرام أو زلة كان المجتمع هو القانون الرادع.

· دافع اقتصـادي: اذ أن الشباب الصحراوي يصل إلى مرحلة النضج الاقتصادي في سن مبكرة، لأنه ونظرا لبساطة الحياة المعتمدة علي الترحال فان ما يكتسبه الشاب من مهنة يكفي لسد حاجيات خيمة.

· دافع عصبي قبلي: يتوخى من ورائه تكثير القبيلة وتقوية العصبية، كما أنهم يهدفون إلى إنجاب الذكور الذين يثبتون كيان القبيلة من غيرهم (اللي بأولاد أحزاموا أمتين واللي بأمناتوا احزموا زبدة ) كما أنهم يستقبلون ولادة الذكور بالزغاريد ونحر الإبل.

و بعد الانتهاء من المراسيم المتصلة بعقد القران، تبنى للعروسين خيمة الزفاف المعرفة باسم ‘خيمة الرك’ مصنوعة من شعر الماعز، بعيدا نسبيا عن لفريك ‘ أي مجموعة من خيام ‘ احتراما لكبار السن الذين لايحضرون الاحتفال، ويبدأ الاحتفال الذي يستمر سبعة أيام متتالية في حالة الفتاة البكر وثلاث ايام بالنسبة للفتاة المطلقة (هجالة) ولايتعدى يوم واحد بالنسبة لعريس و العروس سبق لهما الزواج من قبل.ثم يحضــر الضيوف والمدعوون إلى خيمة الرك وبعد تجهيزها بالزرابي ويوضع ‘الرحل’ في جانبها الغربي حيث أن هذا المكان هو الذي ستختبي فيه العروس تحت هذا الرحل ويضع أمامه الستار عبارة عن ثوب غليظ، ينطلق حفل غنائي شعبي ساهر ويلزم العريس قبل دخول الخيمة أن يطوف بها ثلاث مرات اعتقادا في ذلك بداية حياة زوجية سعيدة، وبعد ذلك يدخل الخيمة في جو احتفالي كبير ويستمر هذا الاحتفال بحضور العريس لدقائق حتى تقف أحد الوصيفات أو الخادمات (معلمة) تابعة لأهل العروس وفي يدها حلية أو مجوهر( فرد مجوهرات) وتقول “هذه هي حوصة العروس” أي على العريس أن يعطي قدرا من المال فدية لفك ذلك المجوهر أو حلية من حلي العروس المحتجزة كتعبير رمزي عن حبه لها.

اما العروس تبدأ معركتها مع النساء فتكتل كل قوتها لمنعهن من تغيير ملابسها ولباسها أرقى أنواع الملا حف و يظفر شعرها بالكامل و يوضع فيه الخرز للتزيين وكل هاتة المراحل التي تمر بها العروس لتهيأتها تمر بصراع من قرص و صراخ وضرب وبكاء.لخوفها مما هو مجهول بالنسبة إليها، وفي صبيحة اليوم الأول أي ” يوم إبراز” لعريس يذهب كل من استيقظ إلي خيمة” الرك ” يطالب ب”العادة ” و العادة عبارة عن بعض التمر و”كرتة ” أي الكاوكاو ويقدمه العريس لكل من يهنئه صباح هذا اليوم، وبعد مرور سبعة ايام من الا حتفال يتم تقديم هدية للعروس وبعها ترسل أم العروس لأهل العريس هدية خاصة قد تتكون من نصف الأمتعة التي احضرها العريس خلال ” الدفوع “.

و – الرحيل:

يستأذن العريس أهل عروسه بعد مرور وقت طويل في الرحيل وهي من اقسي المراحل التي تمر بها العروس، إذ فيها تفترق عن أهلها وعن عالمها الذي عاشته المفعم بذكريات الطفولة والبراءة الجميلة، فهم يحددون أجلا للرحيل كي يتمكن أهل العروس من تحضير جهازها الذي سترحل به، ويتكون هذا الجهاز للرحيل من (خيمة تزياتن). مصنوع من(جلد البقر)، زرابي، فرو ( مصنوع من الجلد المدبوغ ) ، و”اصرامة” أي وسائد مصنوعة من الجلد مهذبة، ذماج فضة ودباليج وامزرد… وهي أنواع الحلي ، و” امشقب” كاملة (أي الهودج) بالإضافة إلي الإبل و تكون حسب إمكانيات أهل العروس وما قدمه العريس إليها أثناء العرس، تتزين العروس وتركب هودجها علي ظهر الجمل الذي يقوده زوجها، عندما يصل “الرحيل” الى “الفريك” أهل الزوج ، تقوم أم الرجل ببناء خيمة للعريسين وراء الخيام وتعمل علي تزيينها، إلا أن الزوجة تقيم أولا مع عائلة زوجها أياما طويلة رغم وجود خيمة جاهزة للعريسين إذا انه من غير ألائق في أعراف الصحراء أن يتوجه العرسان إلي خيمتهما مباشرة، لكن مع مرور الوقت تعتاد الذهاب إلي خيمتها ويعتاد الأهل ذلك أيضا، وبالتالي يسلم الكل بوجود عائلة جديدة داخل الفريك. مما لا شك فيه أن طقوس الزواج الصحراوي تتسع لتفسيرات كثيرة تتعدى ما ذكرناه آنفا، لكن الأهمية الكبرى للطقوس تتمثل في وظيفتها الأساسية وهي استعادة التقاليد، مما ينشأ عنه، إعادة إنتاج البنية الذهنية والوجدانية التقليدية.

فالزواج في الصحراء من الأمور التي تخضع لنواميس معقدة نظرا لحتمية حياة البداوة، والعيش في أسرة ممتدة وانصهار ما هو شخصي في ما هو جماعي للحفاظ على الترابط والتماسك القبلي الذين تفرضهما مواجهة الأخطار المحدقة بالقبيلة واستمراريتها بين العشائر الأخرى وتأثير المصاهرة علي مستقبل الأسرة والقبيلة كما ان الزواج في زمن الترحال لا يختلف بين قبائل الصحراء إلا في بعض الطقوس الجزئية ، غير أننا اليوم ومع حياة الاستقرار والمدنية شهد المجتمع في مختلف الميادين عدة تغيرات وتحولات أثرت بشكل كبير على تغير تصورات الناس وبالأخص في أقدم مؤسسة اجتماعية أي الزواج.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

جميع الحقوق محفوظة - جريدة سكاي نيوز برس